أبي نعيم الأصبهاني

89

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

كان من أفضل العابدين ، وفرض على نفسه كل يوم ألف ركعة ، يقوم عند طلوع الشمس فلا يزال قائما إلى العصر ، ثم ينصرف وقد انتفخت ساقاه وقدماه فيقول : يا نفس إنما خلقت للعبادة يا أمارة بالسوء ، فو اللّه لأعملن بك عملا [ حتى لا ] يأخذ الفراش منك نصيبا . قال : وهبط واديا يقال له وادى السباع ، وفي الوادي عابد حبشي يقال له حممة ، فانفرد عامر في ناحية وحممة في ناحية يصليان ، لا هذا ينصرف إلى هذا ولا هذا ينصرف إلى هذا أربعين يوما وأربعين ليلة ، إذا جاء وقت الفريضة صليا ثم أقبلا يتطوعان ، ثم انصرف عامر بعد أربعين يوما فجاء إلى حممة فقال : من أنت يرحمك اللّه ؟ قال دعني وهمى قال أقسمت عليك . قال : أنا حممة ، قال عامر لئن كنت حممة الذي ذكر لي لأنت أعبد من في الأرض ، أخبرني عن أفضل خصلة ؟ قال : إني لمقصر ولولا مواقيت الصلاة تقطع على القيام والسجود لأحببت أن أجعل عمرى راكعا ووجهي مفترشا حتى ألقاه ، ولكن الفرائض لا تدعني أفعل ذلك فمن أنت رحمك اللّه ؟ قال : أنا عامر بن عبد قيس . قال : إن كنت عامرا الذي ذكر لي فأنت أعبد الناس فأخبرني بأفضل خصلة ؟ قال : إني لمقصر ولكن واحدة عظمت هيبة اللّه في صدري حتى ما أهاب شيئا غيره ، فاكتنفته السباع فأتاه سبع منها فوثب عليه من خلفه فوضع يديه على منكبه وعامر يتلو هذه الآية ( ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) فلما رأى السبع أنه لا يكترث به ذهب . قال حممة : باللّه يا عامر ما هالك ما رأيت ؟ قال : إني لأستحى من اللّه عز وجل أن أهاب شيئا غيره . قال حممة : لولا أن اللّه عز وجل ابتلانا بالبطن فإذا أكلنا لا بدّ لنا من الحدث ما رآني ربى إلا راكعا أو ساجدا ، وكان يصلى في اليوم ثمانمائة ركعة ، وكان يقول : إني لمقصر في العبادة ، وكان يعاتب نفسه . * حدثنا أبي ثنا أبو الحسن ثنا شعيب بن محرز ثنا سهل أخو حزم . قال : بلغني عن عامر بن عبد قيس أنه كان يقول : أحببت اللّه عز وجل حبا سهل على كل مصيبة ، ورضانى في كل قضية ، فما أبالي مع حبى إياه ما أصبحت عليه .